فخر الدين الرازي
3
تفسير الرازي
الثالث : لفظ * ( الحكيم ) * يطلق على الغير أيضاً ، كما قيل في لقمان : إنه حكيم ، نقول : الحكيم عند أهل التحقيق هو الذي يضع الأشياء ( في ) مواضعها ، والله تعالى حكيم بهذا المعنى . ثم إنه تعالى بعدما فرغ من التوحيد والتنزيه شرع في النبوة فقال : * ( هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) * . الأمي منسوب إلى أمة العرب ، لما أنهم أمة أميون لا كتاب لهم ، ولا يقرأون كتاباً ولا يكتبون . وقال ابن عباس : يريد الذين ليس لهم كتاب ولا نبي بعث فيهم ، وقيل : الأميون الذين هم على ما خلقوا عليه وقد مر بيانه ، وقرئ الأمين بحذف ياء النسب ، كما قال تعالى : * ( رسولاً منهم ) * ( المؤمنون : 32 ) يعني محمداً صلى الله عليه وسلم نسبه من نسبهم ، وهو من جنسهم ، كما قال تعالى : * ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) * ( التوبة : 128 ) قال أهل المعاني : وكان هو صلى الله عليه وسلم أيضاً أمياً مثل الأمة التي بعث فيهم ، وكانت البشارة به في الكتب قد تقدمت بأنه النبي الأمي ، وكونه بهذه الصفة أبعد من توهم الاستعانة على ما أتى به من الحكمة بالكتابة ، فكانت حاله مشاكلة لحال الأمة الذين بعث فيهم ، وذلك أقرب إلى صدقة . وقوله تعالى : * ( يتلوا عليهم آياته ) * أي بيناته التي تبين رسالته وتظهر نبوته ، ولا يبعد أن تكون الآيات هي الآيات التي تظهر منها الأحكام الشرعية ، والتي يتميز بها الحق من الباطل * ( ويزكيهم ) * أي يطهرهم من خبث الشرك ، وخبث ما عداه من الأقوال والأفعال ، وعند البعض * ( يزكيهم ) * أي يصلحهم ، يعني يدعوهم إلى اتباع ما يصيرون به أزكياء أتقياء * ( ويعلمهم الكتاب والحكمة ) * والكتاب : ما يتلى من الآيات ، والحكمة : هي الفرائض ، وقيل : * ( الحكمة ) * السنة ، لأنه كان يتلو عليهم آياته ويعلمهم سننه ، وقيل : * ( الكتاب ) * الآيات نصاً ، والحكمة ما أودع فيها من المعاني ، ولا يبعد أن يقال : الكتاب آيات القرآن والحكمة وجه التمسك بها ، وقوله تعالى : * ( وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) * ظاهر لأنهم كانوا عبدة الأصنام وكانوا في ضلال مبين وهو الشرك ، فدعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى التوحيد والإعراض عما كانوا فيه ، وفي هذه الآية مباحث : أحدها : احتجاج أهل الكتاب بها قالوا قوله : * ( بعث في الأميين رسولاً منهم ) * يدل على أنه عليه السلام كان رسولاً إلى الأميين وهم العرب خاصة ، غير أنه ضعيف فإنه لا يلزم من تخصيص الشيء بالذكر نفي ما عداه ، ألا ترى إلى قوله تعالى : * ( ولا تخطه بيمينك ) * ( العنكبوت : 48 ) أنه لا يفهم منه أنه